ابن كثير

189

البداية والنهاية

الحجاج بن يوسف ، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان . ولسبع بقين من رمضان من هذه السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان وولى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وكان أحد العلماء ، وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان الخلافة كتب إليه كتابا يعزيه في أخيه ، ويهنئه بولايته ، ويذكر فيه بلاءه وعناه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء ، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه ، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة ، إن لم يعزله عن خراسان ، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلب ، ثم كتب كتابا ثانيا يذكر ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم ، ويذم يزيد بن المهلب أيضا ، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة ، وكتب كتابا ثالثا فيه خلع سليمان بالكلية ، وبعث بها مع البريد ( 1 ) وقال له : ادفع إليه الكتاب الأول ، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني ، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثالث ، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول - واتفق حضور يزيد عند سليمان - دفعه إلى يزيد فقرأه ، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد ، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه ، فتغير وجهه ، ثم ختمه وامسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد ، وأمر بانزال البريد في دار الضيافة ، فلما كان من الليل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهبا وكتابا فيه ولاية قتيبة على خراسان ، وأرسل مع ذلك البريد بريدا آخر من جهته ( 2 ) ليقرره عليها ، فلما وصلا بلاد خراسان ( 3 ) بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة ، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة ، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان . مقتل قتيبة بن مسلم رحمه الله وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته ، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم ، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم ، فلما فرغ من مقالته لم يجبه أحد منهم إلى مقالته ، فشرع في تأنيبهم وذمهم ، قبيلة قبيلة ، وطائفة طائفة ، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرقوا ، وعملوا على مخالفته ، وسعوا في قتله ، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبي سود ( 4 ) ، فجمع جموعا كثيرة ، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحجة من هذه السنة ،

--> ( 1 ) في الطبري 8 / 104 وابن الأثير 5 / 12 : مع رجل من باهلة . وفي ابن الأعثم 7 / 257 : مع مولى له وفيه ان قتيبة كتب إلى سليمان - قبل هذه الكتب الثلاثة - كتابا يهنئه بالخلافة ويعزيه عن أخيه الوليد ووجهه مع رجل من الأزد ( انظر ص 253 ) . ( 2 ) في الطبري 8 / 104 : من عبد القيس ثم أحد بني ليث يقال له صعصعة - انظر أيضا ابن الأعثم 7 / 257 . ( 3 ) في ابن الأثير 5 / 13 والطبري 8 / 104 وابن الأعثم 7 / 258 : حلوان . ( 4 ) في وفيات الأعيان 4 / 87 : وكيع بن حسان بن قيس بن يوسف بن كلب بن عوف بن مالك بن عدانة . وهو وكيع أبو المطرف الغداني قتله وهو بفرغانة .